ابن حزم
658
الاحكام
فمن ذلك أن القائلين بهذه المقالة إنما يقولون بها باتفاق منهم ، حيث لا يوجد نص من قرآن أو سنة صحيحة على حسب اختلافهم في صفة ما يجب قبوله من السنن ، وأما حيث يوجد نص قرآن أو سنة فلا يسع أحدا عندهم اجتهد في خلافها ، بل هو مخطئ مخالفها عندهم . قال أبو محمد : فإذا كان هذا قولهم فقد كفينا بحمد الله تعالى مؤونتهم ، لأنه لا نازلة إلا وفيها نص موجود ، ولو لم يكن كذلك لكان ذلك الحكم شرعا في الدين ليس من الدين ، وهذا تناقض وموهوا أيضا بلفظه الاجتهاد فقالوا : هذا مما يسوغ فيه الاجتهاد ، وهذا مما لا يسوغ فيه الاجتهاد . قال أبو محمد : حقيقة الامر هي أنهم إن كانوا يعنون بالاجتهاد اجتهاد المرء نفسه في طلب حكم دينه في مظان وجوده - ولا مظان لوجود الدين إلا القرآن والسنن - فقد صدقوا ، والاجتهاد المذكور فرض على كل أحد في كل شئ من الدين ، فهو قولنا ، وإن كانوا يعنون بالاجتهاد أن يقول برأيه ما أداه إليه ظنه ، فهذا باطل لا يحل أصلا في شئ من الدين ، وإيقاع لفظه الاجتهاد على هذا المعنى باطل في الديانة وباطل في اللغة ، وتحريف للكلم عن مواضعه ، ونعوذ بالله من هذا ومما يبطل قولهم - وإن كان فيما أوردنا كفاية - أنهم يقولون : إن كل قائل مجتهد فهو حق محق مصيب ، ونحن نقول : إنهم في قولهم هذا مخطئون عند الله عز وجل بلا شك ، وإنهم فيه على باطل ، فإذا حكموا لنا بالصواب والصدق في قولنا ، فقد أقروا ببطلان قولهم ، لأننا محقون في قولنا أنهم مخطئون بإقرارهم ، وفي هذا كفاية لمن عقل ، ويقال لهم أفي المتكلمين في الفتيا أحد أخطأ أم لا ؟ فإن قالوا لا ، كابروا لان الحس يشهد بأن الخطأ موجود ، وإن قالوا نعم ، تركوا قولهم الفاسد إن كل مجتهد مصيب ، ويسألون عن نهيه تعالى عن التفرق أنهي عن حق أم عن باطل ؟ فإن قالوا : عن حق كفروا . وإن قالوا : نهي عن باطل ، تركوا قولهم الفاسد ، وكل آية تلوناها في باب ذم الاختلاف من كتابنا هذا فهي مبطلة لقولهم الفاسد في هذا الباب وبالله تعالى التوفيق . ومن ذلك قوله تعالى : * ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) * فلم يطلق لنا تعالى البقاء على التنازع وأمرنا بالرد